محمد متولي الشعراوي

4156

تفسير الشعراوى

شاهدوها قبل أن يأتي التكليف ، فهم عاشوا الليل والنهار . وتنفسوا الهواء ، واستمتعوا بدفء الشمس ، وروى المطر أراضيهم ووجدوا الكون مرتبا منظما يعطى الإنسان قبل أن يكون للإنسان إدراك أو طاقة ، وكان يجب أن تلفتهم هذه الآيات إلى أن لهم خالقا هو الحق الأعلى . وحين جاء لهم الموكب الرسالي جحدوا آيات المعجزات التي تدل على صدق الرسل . وحين جاء القرآن معجزا جحدوا الآيات التفصيلية التي تحمل المنهج . إذن فلا عذر لهم في شئ من ذلك لأن الحق يقول : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 52 ] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) أي لا عذر لهم في شئ من هذا الجحود ؛ لأن الكتاب مفصل ، وقد يقولون : إن الكتاب طارىء علينا ، وكذلك الرسول الذي جاء به . إذن فما موقفهم من الآيات الكونية الثابتة ؟ لقد جحدوها أيضا . ( وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ ) . و « فصلناه » أي أنه سبحانه لم ينزل كلاما مجملا أو مبهما ، لا ، بل فيه تفصيل العليم الحكيم ، أنه فصل أحكامه ومعانيه ومواعظه وقصصه حتى جاء قيما غير ذي عوج ، وسبحانه هو القادر أن ينزل المنهج المناسب لقياس ومقام كل إنسان . إنه حينما يأتي إلينا من يستفتينا في أي أمر ويحاول أن يلوى في الكلام لنأتي له بفتوى تبرر له ما يفعله ، فنحن نقول له : ليس لدينا فتوى مفصلة ؛ لأن الفتاوى التي عندنا كلها جاهزة ، ولك أن تدخل بمسألتك في أي فتوى . فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) [ سورة الأعراف ] وهناك أناس سمعوا القرآن ورأوا الآيات واهتدوا ، فلماذا اهتدى هؤلاء وضل هؤلاء ؟ لقد آمن من صدق بالوجود الأعلى كما قلنا في سورة البقرة :